الأحد 26 جمادى الثانية 1432 هـ الموافق لـ: 29 ماي 2011 10:29

- السّيرة النّبويّة (45) بيعة العقبة الثّانية

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فقد عاد مصعبُ بنُ عُمير رضي الله عنه إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يُبشّره بأنّ يثرب لم تَعُد بيثرب، بل طابت بالإسلام والإيمان، ومظاهر التّقوى والإحسان .. عاد ليُخبره بأنّ يثرب قد ملِئت طرقاتها من حطام الأصنام، وأنّ أبواب أهلها أضْحت مشرّعة لاستقباله واستقبال دعوته صلّى الله عليه وسلّم ..

لم يَبْقَ إلاّ أن يأتي وفد المدينة من الأوس والخزرج، ليُبرِمُوا البيعة الثّانية لنصرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.. فترى الجميع في انتظار موسم الحجّ على أحرّ من الجمر ..

وجاء الموسم الموعود .. حان موعد الحجّ، فتداعى الحجيج إلى البيت العتيق، وسالوا من كلّ فجّ عميق .. والكعبة لا تنتظر إلاّ وفدا قادما من حرّة المدينة .. فهم لا يحملون إليها أصناما .. ولا يعلّقون بها تمائم .. إنّما سيحملون معهم توحيدا طاهرا يغسل ما علق بها من أدران الشّرك والوثنيّة ..

فإنّ الكعبة اشتاقت إلى عبادة إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام.. وكأنّ أحد الأنصار القادمين للبيعة أحسّ بإحساسها .. فكان يحبّ أن يصلِّي إليها .. ولْنَدَعْ أحدَ الأنصار يحدّثنا عن ذلك ..

روى الإمام أحمد، وابن إسحاق، ومن طريقه البيهقيّ في "الدّلائل" (2/444) عن كعب بن مالك رضي الله عنه بإسناد صحيح قال:

" خَرَجْنَا فِي حُجَّاجِ قَوْمِنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ صَلَّيْنَا وَفَقِهْنَا، وَمَعَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، فَلَمَّا تَوَجَّهْنَا لِسَفَرِنَا وَخَرَجْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ، قَالَ الْبَرَاءُ لَنَا:

يَا هَؤُلَاءِ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ - وَاللهِ - رَأْيًا، وَإِنِّي - وَاللهِ - مَا أَدْرِي تُوَافِقُونِي عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟

قَالَ: قُلْنَا لَهُ: وَمَا ذَاكَ ؟

قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ أَنْ لَا أَدَعَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ[1] مِنِّي بِظَهْرٍ- يَعْنِي الْكَعْبَةَ - وَأَنْ أُصَلِّيَ إِلَيْهَا.

قَالَ: فَقُلْنَا: وَاللَّهِ مَا بَلَغَنَا أَنَّ نَبِيَّنَا صلّى الله عليه وسلّم يُصَلِّي إِلَّا إِلَى الشَّامِ، وَمَا نُرِيدُ أَنْ نُخَالِفَهُ !

فَقَالَ: إِنِّي أُصَلِّي إِلَيْهَا.

قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: لَكِنَّا لَا نَفْعَلُ.

فَكُنَّا إِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ صَلَّيْنَا إِلَى الشَّامِ، وَصَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ - وَقَدْ كُنَّا عِبْنَا عَلَيْهِ مَا صَنَعَ وَأَبَى إِلَّا الْإِقَامَةَ عَلَيْهِ -، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ:

يَا ابْنَ أَخِي ! انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَاسْأَلْهُ عَمَّا صَنَعْتُ فِي سَفَرِي هَذَا ؟ فَإِنَّهُ - وَاللَّهِ - قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ خِلَافِكُمْ إِيَّايَ فِيهِ.

قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، وَكُنَّا لَا نَعْرِفُهُ، وَلَمْ نَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ.

فَلَقِيَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفَانِهِ ؟ قَالَ: قُلْنَا: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفَانِ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّهُ ؟ قُلْنَا: نَعَمْ.- وَكُنَّا نَعْرِفُ الْعَبَّاسَ، كَانَ لَا يَزَالُ يَقْدَمُ عَلَيْنَا تَاجِرًا - قَالَ: فَإِذَا دَخَلْتُمَا الْمَسْجِدَ فَهُوَ الرَّجُلُ الْجَالِسُ مَعَ الْعَبَّاسِ.

قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَإِذَا الْعَبَّاسُ جَالِسٌ وَرَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم مَعَهُ جَالِسٌ، فَسَلَّمْنَا، ثُمَّ جَلَسْنَا إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم لِلْعَبَّاسِ:

(( هَلْ تَعْرِفُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يَا أَبَا الْفَضْلِ ؟!)).

قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَهَذَا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ.

قَالَ كَعْبٌ: فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَى قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( الشَّاعِرُ )).

قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! إِنِّي خَرَجْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، وَهَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، فَرَأَيْتُ أَنْ لَا أَجْعَلَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ، فَصَلَّيْتُ إِلَيْهَا وَقَدْ خَالَفَنِي أَصْحَابِي فِي ذَلِكَ، حَتَّى وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَمَاذَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ صلّى الله عليه وسلّم:

(( لَقَدْ كُنْتَ عَلَى قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْتَ عَلَيْهَا )).

قَالَ: فَرَجَعَ الْبَرَاءُ رضي الله عنه إِلَى قِبْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَصَلَّى مَعَنَا إِلَى الشَّامِ.

الموعد:

فَوَاعَدْنَا رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم الْعَقَبَةَ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنْ الْحَجِّ، وَكَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم وَمَعَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَبُو جَابِرٍ، سَيِّدٌ مِنْ سَادَتِنَا، وَكُنَّا نَكْتُمُ مَنْ مَعَنَا مِنْ قَوْمِنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمْرَنَا، فَكَلَّمْنَاهُ، وَقُلْنَا لَهُ:

يَا أَبَا جَابِرٍ ! إِنَّكَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَتِنَا، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا، وَإِنَّا نَرْغَبُ بِكَ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِلنَّارِ غَدًا.

ثُمَّ دَعَوْتُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبَرْتُهُ بِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَأَسْلَمَ، وَشَهِدَ مَعَنَا الْعَقَبَةَ، وَكَانَ نَقِيبًا[2].

قَالَ: فَنِمْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا، حَتَّى إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ، خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمِيعَادِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم نَتَسَلَّلُ مُسْتَخْفِينَ تَسَلُّلَ الْقَطَا، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ سَبْعُونَ رَجُلًا وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِهِمْ، نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ أُمُّ عُمَارَةَ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلِمَةَ وَهِيَ أُمُّ مَنِيعٍ.

قَالَ: فَاجْتَمَعْنَا بِالشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم حَتَّى جَاءَنَا، وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ - إِلَّا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ، وَيَتَوَثَّقُ لَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا، كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوَّلَ مُتَكَلِّمٍ فَقَالَ:

" يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ !- وَكَانَتْ الْعَرَبُ مِمَّا يُسَمُّونَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ الْأَنْصَارِ الْخَزْرَجَ أَوْسَهَا وَخَزْرَجَهَا - إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ، وَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ أَبَى إِلاَّ الاِنْحِيَازَ إِلَيْكُمْ، وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ، وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الخُرُوجِ بِهِ إِلَيْكُمْ، فَمِنَ الآنَ فَدَعُوهُ، فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ.

فَقُلْنَا: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ، فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ !

قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَتَلَا وَدَعَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَالَ:

(( أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ )).

قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ! لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ! فَنَحْنُ أَهْلُ الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ.

قَالَ: فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ - وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم - أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَقَالَ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا - يَعْنِي الْعُهُودَ - فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا ؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم ثُمَّ قَالَ:

(( بَلْ الدَّمَ الدَّمَ ! وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ ! أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ )).

وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، يَكُونُونَ عَلَى قَوْمِهِمْ )).

فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، مِنْهُمْ تِسْعَةٌ مِنْ الْخَزْرَجِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَوْسِ.

وفي رواية قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ثُمَّ تَتَابَعَ الْقَوْمُ ".

فكان نقيب بني النجّار: أسعد بن زرارة.

وكان نقيب بني سلِمة: البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام.

وكان نقيب بني ساعدة: سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو.

وكان نقيب بني زريق: رافع بن مالك بن العجلان.

وكان نقيب بني الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، وسعد بن الرّبيع.

وكان نقيب بني عوف بن الخزرج: عبادة بن الصّامت.

ونقيب بني عبد الأشهل: أسيد بن حضير، وأبو الهيثم بن التيّهان.

ونقيب بني عمرو بن عوف: سعد بن خيثمة.

وفي رواية جابر رضي الله عنه عند الإمام أحمد كذلك قال:

قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! نُبَايِعُكَ. قَالَ:

(( تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لَا تَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي فَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمْ الْجَنَّةُ )).

قَالَ: فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَهُوَ مِنْ أَصْغَرِهِمْ، فَقَالَ رضي الله عنه:

رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ ! فَإِنَّا لَمْ نَضْرِبْ أَكْبَادَ الْإِبِلِ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنْ تَعَضَّكُمْ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ جَبِينَةً فَبَيِّنُوا ذَلِكَ، فَهُوَ عُذْرٌ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ.

قَالُوا: أَمِطْ عَنَّا يَا أَسْعَدُ ! فَوَاللَّهِ لَا نَدَعُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ أَبَدًا، وَلَا نَسْلُبُهَا أَبَدًا.

قَالَ: فَقُمْنَا إِلَيْهِ، فَبَايَعْنَاهُ، فَأَخَذَ عَلَيْنَا وَشَرَطَ، وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ.

وهنا امتزجت الأيدي، وتعاقدت على نصرة الإسلام .. وباجتماع هذه الأيدي اختنق العدوّ اللّدود الّذي لا يُرى ولا يُسمع، ولكنّه في تلك اللّيلة سُمِع .. كان ذلك الصّارخ هو الشّيطان الرّجيم !

فما الّذي حدث ؟

يقول كعب بن مالك رضي الله عنه: فَلَمَّا بَايَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ بِأَبْعَدِ صَوْتٍ سَمِعْتُهُ قَطُّ:

يَا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ !- وَالْجُبَاجِبُ الْمَنَازِل [3]- هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ وَالصُّبَاةُ مَعَهُ، قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ ؟!

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ[4] ! هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ ! اسْمَعْ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ ! أَمَا وَاللَّهِ لَأَفْرُغَنَّ لَكَ !))

ثُمَّ قَالَ صلّى الله عليه وسلّم: (( ارْفُضُوا[5] إِلَى رِحَالِكُمْ )).

قَالَ كعبٌ: فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ! لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا !

قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، ارْفُضُوا إِلَى رِحَالِكُمْ )).

قَالَ: فَرَجَعْنَا فَنِمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا.

فَلَمَّا أَصْبَحْنَا غَدَتْ عَلَيْنَا جُلَّةُ قُرَيْشٍ حَتَّى جَاءُونَا فِي مَنَازِلِنَا، فَقَالُوا:

يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ ! إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ إِلَى صَاحِبِنَا هَذَا تَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، وَتُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَاللَّهِ إِنَّهُ مَا مِنْ الْعَرَبِ أَحَدٌ أَبْغَضَ إِلَيْنَا أَنْ تَنْشَبَ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مِنْكُمْ.

قَالَ فَانْبَعَثَ مَنْ هُنَالِكَ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِنَا يَحْلِفُونَ لَهُمْ بِاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْنَاهُ، وَقَدْ صَدَقُوا، لَمْ يَعْلَمُوا مَا كَانَ مِنَّا.

قَالَ: فَكَانَ بَعْضُنَا يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ، وَقَامَ الْقَوْمُ وَفِيهِمْ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ جَدِيدَانِ، فَقُلْتُ كَلِمَةً كَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُشْرِكَ الْقَوْمَ بِهَا فِيمَا قَالُوا: مَا تَسْتَطِيعُ يَا أَبَا جَابِرٍ وَأَنْتَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَتِنَا أَنْ تَتَّخِذَ نَعْلَيْنِ مِثْلَ نَعْلَيْ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ. فَسَمِعَهَا الْحَارِثُ، فَخَلَعَهُمَا، ثُمَّ رَمَى بِهِمَا إِلَيَّ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتَنْتَعِلَنَّهُمَا. قَالَ أَبُو جَابِرٍ: أَحْفَظْتَ - وَاللَّهِ - الْفَتَى، فَارْدُدْ عَلَيْهِ نَعْلَيْهِ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَرُدُّهُمَا، وَاللَّهِ لَئِنْ صَدَقَ الْفَأْلُ لَأَسْلُبَنَّهُ.

وتأمّل قوله صلّى الله عليه وسلّم وقد سألوه الإغارة على المشركين: (( لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ )) ! فهو تفسير عمليّ لقوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ...} [الآية 77 من النّساء]، وتأصيل شرعيّ لقاعدة من قواعد الدّعوة إلى الله تعالى: وهو الصّبر وعدم المواجهة في مرحلة الضّعف، وإذا كان بيتك من زجاج فلا تضرب العدوّ بالحجارة.

وبمناسبة ذكر العدوّ، فإنّ قريشا قد ازداد جنونها، وطاش لبّها؛ فإنّهم ما إن أرادوا أن يُغيروا بمسلم لم يجدوه ..

إنّها بداية الهجرة.



[1] البنيّة: تصغير بناء، وهو يريد الكعبة.

[2] والنّقيب هو السيّد في قومه القائم على شؤونهم.

[3] هي منازل منى، وسمّيت بذلك لأنّ كروش الأضاحيّ تلقى فيها أيّام الحجّ.

[4] اسم شيطان.

[5] ارفضوا: أي تفرّقوا.

أخر تعديل في الأحد 26 جمادى الثانية 1432 هـ الموافق لـ: 29 ماي 2011 10:31
عبد الحليم توميات

آخر المواضيع:

الذهاب للأعلي