أخبار الموقع
***تقبل الله منا ومنكم، وكل عام أنتم بخير أعاده الله على الأمّة الإسلاميّة بالإيمان والأمن واليمن والبركات***
لطرح استفساراتكم وأسئلتكم واقتراحاتكم اتّصلوا بنا على البريد التّالي: htoumiat@nebrasselhaq.com

الأربعاء 02 ربيع الأول 1433 هـ الموافق لـ: 25 جانفي 2012 07:23

- تفسير سورة الحجرات (2) الآية الأولى

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فقد قال الله عزّ وجلّ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

وفي هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: مناسبة السّورة لما قبلها من السّور.

اختِير موقع هذه السّورة المبدوءة بهذه الآية وما بعدها لسببين اثنين:

أوّلهما: أنّ سورة الحجرات سُبِقت بسورتين هما نصرةٌ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفتحٌ لدعوته: أولاهما سورة (محمّد)، الّتي فيها نصرة له صلّى الله عليه وسلّم بالسّيف على من قاتله ظاهرا، وسورة الفتح الّتي ضمِنت الفتح العظيم لدينه ودعوته[1]، فناسب أن تأتِي بعدهما سورة تأمر بتعظيم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وطاعته، وألاّ يتقدّم أحد بين يديه.

الثّاني: أنّ سورة الحجرات جاءت عقب سورة الفتح الّتي نزلت في شأن حادثة صلح الحديبيّة، حيث توقّف الصّحابة بعضَ الشّيء متردّدين من الصّلح، فجاءت هذه السّورة تدعو المؤمنين ألاّ يقدّموا رأيَهم، ولا ما يبدو لهم في الظّاهر أنّه صواب على أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

المسألة الثّانية: سبب النّزول.

نزلت هاتان الآيتان وما بعدهما في العام التّاسع من الهجرة النّبويّة، وكان ذلك العام هو عامَ الوفود.

وكانت الوفود مختلفةَ القبائل متباينةَ الطّباع: فمنها اللّبِق حتّى عُدّ من أحسن الوفود وهو وفد عبد القيس من البحرين، ومنها ضدّ ذلك.

فلا يتوقّع أحدٌ من جميع الوفود أن تكون على مستوى واحدٍ من اللّباقة وحُسْنِ المعاملة، فإنّ هناك وفودا عميقة الجذور في الجاهليّة تصدُر منها هِنَات لا بدّ من غضّ الطّرف عنها.

جاء وفد تميم تحت إمرة رجلين من عظمائهم:

الأقرع بن حابس، ذلك الرّجل الّذي تألّفه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأعطاه مائة من الإبل على ساحة الجِعرانة.

والقعقاع بن معبد.

قدِما ببعض قومهما ليبايعوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكان لا بدّ بعد المبايعة أن يُجعَلَ أحدُهما أميرا.

وهنا تنافس سيّدا كهول أهل الجنّة: أيّهما يكون أولى بالإمارة ؟

روى البخاري عن عبدِ اللهِ بنِ الزّبيْرِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ علَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم:

فقالَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَمِّرْ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ، وقال عُمَرُ رضي الله عنه: بَلْ أَمِّرْ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ.

قال أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: مَا أَرَدْتَ إِلَّا خِلَافِي ! قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ !

فَتَمَارَيَا، حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2)} [الحجرات].

وروى البخاري عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ قال: كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا - أبا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهمارَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ، وَأَشَارَ الآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ.

فقالَ أُو بَكْرٍ رضي الله عنه لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلاَّ خِلاَفِي ! قَالَ: مَا أَرَدْتُ خِلاَفَكَ. فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} الآيةَ.

قال ابنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه: فَمَا كَانَ عُمَرُ رضي الله عنه يُسْمِعُ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ.

المسألة الثّالثة: شرح الألفاظ وبيان المعاني.

-( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ): افتُتِحت هذه السّورة بنداء المؤمنين لسببين:

الأوّل: لبيان أنّ ما سيُذكر من الأحكام والمواعظ هو من أوصاف أهل الإيمان.

لذلك روى ابن أبي حاتم أنّ رجلا أتى عبدَ الله بنَ مسعود رضي الله عنه فقال: اِعْهد إليّ، فقال:" إذا سمعت الله يقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرْعِهَا سمعَك فإنّه خيرٌ يأمر به، أو شرّ ينهى عنه ".

الثّاني: فيها بيان لأدب التّخاطب ومفاده أنّ المخاطِب يذكّر من يخاطبُه بمناقبه وفضائله بين يدي كلامه ليستميله إلى قبول قوله.

فيستفيد المسلم أنّه إذا خاطب أحدا واعظاً إيّاه وناصحاً له أن يذكّره بخيرٍ فيه أو في أهله وبلده، فبذلك ينشرح لك صدره ويقبل عليك بقلبه فيسمع لما تقول، ويُجيبك إلى ما أردت.

فالمولى تبارك وتعالى ينادي عباده المؤمنين مثنِياً عليهم: يا من آمنتم بالله وصدّقتم رُسُلي، وأقررتم بالبعث والحساب ..الخ، ثمّ أتى على ذكر الأمر والنّهي ليجد آذانا صاغية وقلوبا واعية. ومن نظائر ذلك:

قوله تعالى:{ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} [الإسراء: 3] أي: يا ذرّية من حملنا مع نوح ! وهذا تذكير لهم بصلاح آبائهم، والمعنى: يا ذريّة القوم المؤمنين الصّالحين الّذين آمنوا بنوح عليه السّلام وحملهم الله معه في الفلك .. يا ذرّية هؤلاء الفضلاء كونوا شاكرين مثل آبائكم وكنوح عليه السّلام فإنّه كان عبدا شكورا ..

وقوله تعالى:{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العَالَمينَ} [البقرة: 47]، وهذا تذكير لهم بصلاح أبيهم يعقوب عليه السّلام، وتذكير لهم بأنّه آتاهم ما لم يُؤتِ أحدا من العالمين.

ومثل ذلك قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم حنين: (( يَا عَمُّ ! يَا عَبَّاسُ ! نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ )) فقالَ عَبَّاسٌ رضي الله عنه- وَكَانَ رَجُلاً صَيِّتًا-: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ ؟. فهو يذكّرهم بأعظم أعمالهم وهو بيعة الرّضوان تحت الشّجرة.

فكذلك ينبغي أن يفعل المسلم في دعوته النّاس إلى الخير أن يُذكّرهم بما يشحذ هممهم ويُقوّي عزمهم، فإذا دعا إلى الإنفاق شخصا ناداه: يا ابن المحسِنين فأهل بيتك أهل فضل وإحسان .. وإذا رغّبت شخصا في الصّلاح فذكّره بآبائه الصّالحين وهكذا.

-( لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ): في ذلك معانٍ كلّها صحيحة ترجع إلى معنى واحد:

الأوّل: قال ابن عبّاس رضي الله عنه:" لا تقولوا خلافَ الكتاب والسنّة "، وهذه رواية عليّ بن أبي طلحة عنه.

فكلّ من قال بخلاف الوحيين فقد قدّم بين يدي الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم..

الثّاني: عن ابن عبّاس رضي الله عنه أيضا قال:" نُهُوا أن يتكلّوا بين يدي كلامه "، وهذه رواية عطيّة العوفي عنه.

لذلك قال مجاهد رحمه الله: لا تفتاتوا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال أبو عبيدة: تقول العرب: لا تقدّم بين يدي الإمام وبين يدي الأب، أي: لا تعجلوا بالأمر والنّهي دونه ".

وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر ولا تنهوا حتى ينهى.."، وهذا يؤيّده سبب النّزول.

قال ابن القيّم رحمه الله في " مدارج السّالكين ":

" أي: لا تقولوا حتّى يقول، ولا تأمروا حتّى يأمر، ولا تُفتوا حتّى يُفْتِي، ولا تقطعوا أمرا حتّى يكون هو الّذي يحكم فيه ويمضيه ".

الثّالث: لا تقدّموا رأيا حتّى تطّلعوا على الكتاب والسنّة.

لذلك كان من الأدب معه صلّى الله عليه وسلّم:" أنّهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد أو رباط لم يذهب أحد منهم مذهبا في حاجته له حتّى يستأذنه، كما قال تعالى:{إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لمَْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ}.

فإذا كان هذا مذهبا مقيّدا بحاجة عارضة لم يوسّع لهم فيه إلاّ بإذنه، فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدّين: أصوله وفروعه، دقيقه وجليله، هل يشرع الذّهاب إليه دون استئذانه ؟ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} " [" مدارج السّالكين"].

-( وَاتَّقُوا اللَّهَ ): خافوا الله وراقبوه، واجعلوا بينكم وبين غضبه وسخطه وعذابه وقاية.

-( إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ): سميع لأقوالكم الّتي تقدّمونها، وعليم بنيّاتكم وبأفعالكم.



[1] ومن بدائع ترتيب القرآن الكريم أنّ هاتين السّورتين هما خاتمة المطوّل من القرآن، وفيهما نصرة له على من عاداه ظاهرا، وختم المفصّل بالمعوّذتين اللّتين فيهما نصرة على من قصد الضرّ به باطنا. [انظر: " نظم الدّرر " للبقاعيّ رحمه الله].

أخر تعديل في السبت 26 ربيع الأول 1433 هـ الموافق لـ: 18 فيفري 2012 21:00

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Why should I upgrade to Internet Explorer 7? Microsoft has redesigned Internet Explorer from the ground up, with better security, new capabilities, and a whole new interface. Many changes resulted from the feedback of millions of users who tested prerelease versions of the new browser. The most compelling reason to upgrade is the improved security. The Internet of today is not the Internet of five years ago. There are dangers that simply didn't exist back in 2001, when Internet Explorer 6 was released to the world. Internet Explorer 7 makes surfing the web fundamentally safer by offering greater protection against viruses, spyware, and other online risks.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.