شرح الأصول الثّلاثة (8) مسائل في الولاء والبراء (صوتي)

أرسل إلى صديق

العنوان

استماع المادة

تحميل المادة

تحميل الدّرس مكتوبا

- شرح الأصول الثّلاثة (08) مسائل في الولاء والبراء

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

من آثار ترك الولاء والبراء:

الكلمة الجامعة للأثر البالغ الّذي يُحدثه ترك الولاء والبراء قوله تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال:73]، قال ابن كثير رحمه الله:" أي: إن لم تُجانبُوا المشركين وتوالوا المؤمنين، وإلاّ وقعت الفتنة في النّاس، وهو التباس الأمر، واختلاط المؤمن بالكافر، فيقع بين النّاس فسادٌ منتشر طويل عريض ".

فمن ذلك:

- اختلاط الحقّ بالباطل، والتّوحيد بالشّرك، والسنّة بالبدعة، والمعصية بالطّاعة.

- ترك الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله.

- إذا كانت الرّابطة غير رابطة الدّين كان ذلك بابا يدخل منه الكافرون، كرابطة القوميّة والقرابة.

من مظاهر البراء:

- عدم التشبّه بهم فيما هو من خصائصهم.

- عدم الاحتفال بأعيادهم.

- عدم الثّناء عليهم فيما هو من شعائر دينهم، وعاداتهم.

- عدم الاستعانة بهم في الحروب، وإدارة شؤون المسلمين كما في " أحكام أهل الذمّة ".

- عدم الإقامة بينهم.

- السّعي الكامل في إبطال دعوتهم.

- انقطاع التّوارث بينهم.

وليس من الولاء للكفّار ثلاثة أشياء:

فقد أخطأت في الولاء والبراء طائفتان:

الطّائفة الأولى: من أدخلت في الولاء والبراء ما ليس منه، فحصل منهم شدّة، فجعلوا من لازم بغض الكافرين وكرههم إساءة معاملتهم.

الطّائفة الثّانية: وهم من أخرج من الولاء والبراء ما هو منه، فحصل منهم تساهل وتمييع له؛ وهؤلاء تأثروا باللغة الإعلامية وبريقها، وما تنفخه الليبرالية الشهوانية في بوقها، من التهوين بالأصول الإيمانية، والدعوة إلى المساواة المطلقة، وإشاعة الأخوة الإنسانية، والتعايش مع الآخر، والانفتاح، والتسامح، والتعددية، ونبذ الطائفية، والقضاء على البغض والكراهية والتطرف والإرهاب والتزمت.

والصّواب أنّ هناك أمورا لا تُعدّ من الولاء والبراء:

- أوّلا: التقيّة، قال تعالى:{لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: من الآية28].

والتقيّة لغة: من التّقوى والاتّقاء، كتخمة وتهمة.

وفي الشّرع هي ما رواه الطّبري عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال:" التكلّم باللّسان وقلبه مطمئن بالإيمان ".

قال الحافظ رحمه الله في " الفتح" (12/314):" هي الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير، وتكون في حالة الضّعف وظهور الكفّار على المسلمين، وهي ليست منسوخة بآية السّيف "اهـ.

- ثانيا: المعاملة الحسنة:

لقوله تعالى:{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8]، وهذا من سماحة الإسلام في الولاء والبراء، ومن مظاهر ذلك:

1) صلة الرّحم: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [لقمان: من الآية15]، روى البخاري ومسلم عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قالتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: أَفَأَصِلُ أُمِّي ؟ قال: (( نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ )).

2) ردّ السّلام: روى البخاري ومسلم عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: قال النّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ )).

أمّا ابتداؤهم بالسّلام فلا، فقد روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ )).

أمّا قول إبراهيم عليه السّلام:{سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [مريم: من الآية47] فالجمهور على أنّ المراد بها المسالمة لا التحيّة، ثمّ هو شرع من قبلنا جاء ما يناقضه في شرعنا.

3) عيادتهم بشرط جلب مصلحة: روى البخاري عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: (( أَسْلِمْ )) فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ! فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم وَهُوَ يَقُولُ: (( الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ )). 

وفي البخاري في قصّة أبي طالب حين حضرته الوفاة عرض عليه الإسلام.

4) لا يُجبر أحدٌ من الكفار الأصليِّين على الدّخول في الإسلام، قال الله تعالى:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة 256].

5) أنّ لأهل الذمّة التنقّل في أي البلاد حيث شاءوا، بلا استثناء، إلاّ الحرم. ولهم سكنى أي بلد شاءوا من بلاد الإسلام أو غيرها، حاشا جزيرة العرب.

وهذا كُلّه محلّ إجماع. [" مراتب الإجماع " لابن حزم (ص 122)، و" أحكام أهل الذمّة " لابن القيم (1/175-191)].

6) حفظ العهد الذي بيننا وبين الكفّار، إذا وَفَّوْا هُمْ بعهدهم وذمّتهم، قال الله تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:4].

7) حرمة دماء أهل الذمّة والمعاهدين، إذا وَفَّوْا بذمّتهم وعهدهم.

قال صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ قَتَل مُعاهَدًا لَم يرَحْ رائِحَةَ الجَنَّةَ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاماً )) [رواه البخاري].

وقال صلّى الله عليه وسلّم: (( أَيُّمَا رَجُلٍ أَمِنَ رَجُلاً عَلَى دَمِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ، فَأَنَا مِنَ القَاتِلِ بَرِيءٌ؛ وإِنْ كَانَ المَقْتُولُ كَافِراً )) [رواه أحمد].

8) الوصيّة بأهل الذمّة، وصيانة أعراضهم وأموالهم، وحفظ كرامتهم.

فقد روى مسلم في " صحيحه " عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ صلّى الله عليه وسلّم:

(( إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا ))، وفي رواية الطّبراني والحاكم: (( إِذَا فُتِحَتْ مِصْرُ فَاسْتَوْصُوا بِالقِبْطِ خَيْراً، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِماً )) [وصحّحه الشّيخ الألباني رحمه الله في "صحيح الجامع" (700)].

ومعنى قوله: ( لهم ذمّة ): أي: حرمة، وحقّ، والذِّمام: الاحترام، وليس المقصود أنّهم أهل ذمّة؛ لأنّه لم يكن لأهل مصر من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عهد سابق.

وقد عقد الإمام القرافي رحمه الله فصلاً لبيان الفرق بين الأمر بعدم موالاة الكفّار والأمر ببرّ أهل الذمّة منهم والإحسان إليهم، فقال في "الفروق" (3/15-16):

" وإذا كان عقد الذمة بهذه المثابة تعيَّن علينا أن نبرَّهم بكلّ أمر لا يكون ظاهرُه يدلّ على مودّات القلوب، ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدّى إلى أحد هذين امتنع، وصار من قبيل ما نُهي نهى في الآية وغيرها "اهـ.

- ثالثا: نكاح الكتابيّة: لأنّ في ذلك مصلحةً لإسلامها.

أنواع الولاء والبراء:

فقد تبيّن لنا أنّ الولاء والبراء من الإيمان الّذي هو عمل القلب، لأنّه قائمٌ على الحبّ في الله، والبغض في الله.

وإذا تحرّك القلب بالحبّ والبغض لزم منه ظهور أثره على الأفعال والأقوال؛ لما بين الظّاهر والباطن من التّلازم، فكان الولاء والبراء شرطا في الإيمان؛ لقوله تعالى:{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة:81].

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله في كتاب " الإيمان ":

" فذكر جملةً شرطيّةً تقتضي مع الشّرط انتفاء المشروط، فقال:{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ}، فَدَلَّ على أنّ الإيمان المذكورَ ينفي اتّخاذَهم أولياءَ ويُضادُّه، ولا يجتمع الإيمان واتّخاذُهم أولياءَ في القلب، ودلَّ ذلك أنّ من اتّخذهم أولياء ما فَعل الإيمانَ الواجبَ من الإيمان بالله والنبيِّ وما أُنزل إليه "اهـ.

أمّا مظاهر الولاء للكافرين من غير حبّهم ونصرتهم فهو فسوق، مخلٌّ بكمال الإيمان الواجب؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ أَحَبَّ للهِ، وَأَبْغَضَ للهِ، وَأَعْطَى للهِ، وَمَنَعَ للهِ؛ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ )) [رواه أبوداود وحسّنه الألباني].

فكان من أجل ذلك الولاء والبراء نوعان:

1) ولاء وبراء مطلق كلّي، فالولاء الكلّي واجب لكلّ مؤمن تقيّ، والبراء الكلّي لكلّ كافر غويّ.

2) وهناك ولاء وبراء نسبيّ، وهو خاصّ بالمؤمن العاصي أو المبتدع، فإنّه وإن كان فاسقا بمعصيته أو بدعته إلاّ أنّه ما زال في جانب الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - كما في " المجموع " (28/208)-:

" والمؤمن عليه أن يعادي في الله ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه، فإنّ الظّلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات:9]، فجعلهم إخوةً مع وجود القتال والبغي والأمر بالإصلاح بينهم، فليتدبّر المؤمن الفرق بين هذين النّوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر !

وليعلم أنّ المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك، فإنّ الله سبحانه بعث الرّسل وأنزل الكتب ليكون الدّين كلّه لله، فيكون الحبّ لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثّواب لأوليائه، والعقاب لأعدائه.

وإذا اجتمع في الرّجل الواحد خير وشرّ، وطاعة ومعصية، وسنّة وبدعة، استحقّ من الموالاة والثّواب بقدرِ ما فيه من الخير، واستحقّ من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشرّ، فيجتمع فى الشّخص الواحد موجِبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللّص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتّفق عليه أهل السنّة والجماعة "اهـ.

والله الموفّق لا ربّ سواه. 

 

 

  

  

 : 

 

عبد الحليم توميات

آخر المواضيع:

الذهاب للأعلي