أخبار الموقع
***تقبل الله منا ومنكم، وكل عام أنتم بخير أعاده الله على الأمّة الإسلاميّة بالإيمان والأمن واليمن والبركات***
لطرح استفساراتكم وأسئلتكم واقتراحاتكم اتّصلوا بنا على البريد التّالي: [email protected]

مختارات

- موقف الشّيخ ابن بايس من دعوة الشيخ محمّد بن عبد الوهّاب رحمهما الله

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فيقول الله سبحانه وتعالى:{بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} [ق: 5].

والمريج هو المختلط، ومنه قوله تعالى:{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} [الرّحمن: 19].

وسبب الخلط والتخبّط هو ردُّ الحقّ ودفعُه: اتّباعا للشّبهات، أو الرّكض خلف الشّهوات، أو تعصّبا لشيخ أو جماعة أو مشرب، أو بغضا لشخص أو طائفة أو مذهب.

قال ابن القيّم رحمه الله:

" ... فإنّ من ردّ الحقّ مرج عليه أمرُه، واختلط عليه، والتبس عليه وجه الصّواب، فلم يدرِ أين يذهب " ["أعلام الموقّعين" (2/173)].

- قبساتٌ من حياة الشّيخين ابن باديس والإبراهيمي رحمهما الله-

محاضرة أُلقِيت يوم الثّلاثاء 12 جمادى الآخرة 1434 هـ الموافق لـ: 23 أفريل 2013 م

بمسجد " الإصلاح " ببلديّة الأربعاء.

الحمد لله القائل:{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب:

23]، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك كلّه وله الحمد وحده، جعل في كلّ زمانِ فترةٍ من الرّسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويُحيون بكتاب الله تعالى الموتى، ويُبَصِّرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالِّ تائهِ قد هدوه، فما أحسن أثرهم على النّاس ! وما أقبح أثر النّاس عليهم !

وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، وصفيّه من خلقه وخليله، القائل: (( يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ ))، صلّى الله عليه وعلى آله الطّاهرين، وأصحابه الطيّيبين، وعلى كلّ من اتّبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين، أمّا بعد:

فحديثنا اليوم إنّما هو قبسات - كما هو في عنوان المحاضرة - من حياة رجلين عظيمين من رجال هذه الأمّة. والقبس هو ما يُؤخذ من النّار، كما قال تعالى عن نبيّه موسى عليه السّلام:{ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [طه من: 10]، فإنّنا لا يمكننا أن نُحيطَ بأنوار حياة هذين الشّيخين، فلْنقتَصِر على أخذ قبسات تكون لنا نبراسا يُضيء لنا السّبيل.

-" الفـاضي يعمل قاضـي "

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فأستفتح هذه المقالة، بكلمة الشّيخ مبارك الميلي رحمه الله وهو يُعاني في زمانه من المثبّطين، ويتألّم من مواقف بعض المرجفين، الّذين لا يحملون شيئا إلاّ لواء تتبّع العثرات، وإذاعة الزلاّت والسّقطات.

قال رحمه الله:

" وقد تعدّدت وسائل الإرشاد في هذا العصر، وسهُلت طرقه، فلماذا لا ننهض مع تعدّد الحوافز وتكرّر المخازي ؟

وإذا نهض أحدنا فلماذا لا نعاضِدُه ؟

وإذا لم نُعاضِدْه فلماذا نُعارضه ؟

وإذا عارضناه فلماذا نعارضه بالبهتان ؟

وإذا عارضناه بالبهتان لحاجة، فلماذا يُعارضه من لا ناقة له ولا جمل في المعارضة والبهتان ؟"اهـ

- لماذا الحديث عن الثّبات ؟

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فإنّ أعظم نعمة يمنّ بها المولى عزّ وجلّ على عباده هي نعمة الهداية إلى الإسلام، ثمّ الاستقامة عليه مدى الأيّام؛ لذلك كان الحديث عن الثّبات حديثاً عن عنوان السّعادة الأبديّة، والفوز برضا ربّ البريّة سبحانه.

وجوابا عن هذا السّؤال الكبير: لماذا الحديث عن الثّبات ؟ فإنّي أقول: إنّ ذلك لأسباب ثلاثة:

السّبب الأوّل: كثرة الانتكاسة ..

- توقـيـر العـلـمـــاء من توقـيـر الله عزّ وجلّ

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى كلّ من اقتفى أثره واتّبع هداه، أمّا بعد:

فإنّ الله تعالى قد أولى العلم منزلة تفوق كلّ المنازل، ومرتبة تعلو على كلّ المراتب، وخصّ أهله بالانتقاء والاصطفاء، ورفع ذكرَهم في الأرض والسّماء، وإنّي على يقين تامّ أنّه ما من مسلم ولا مسلمة إلاّ وهو يقرّ بكلّ ذلك، لا ينكره ولا يجحده إلاّ زائغ هالك ..

ولكنّ هذه الكلمات إنّما هي من أجل الغفلة الّتي سكنت كثيرا من القلوب، ولا عاصم منها إلاّ علاّم الغيوب ..

هذه الكلمات ما هي إلاّ تذكرة للغافل، وتثبيتا للمجدّ العاقل، وقطعا لحجّة كلّ متكاسل ..

فالمفرّط في العلم وأهله صنفان:

Previous
التالي

الاثنين 17 رجب 1434 هـ الموافق لـ: 27 ماي 2013 11:56

- السّيرة النّبويّة (78) غزوة بدر: في قلب المعركة.

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:

فقد رأينا في الحلقة السّابقة مبارزة ثلاثة من فرسان الإسلام لثلاثةٍ من رؤوس الشّرك والكفران، وكيف سقطت أرواح الكافرين في ساحة بدر لتنتقل إلى رحلتها نحوَ الجحيم، وبئس المصير.

رأينا ابتهاج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بفرسانه، وفرَحَه لانتصارهم.

عندئذٍ تحمّس المؤمنون لمعانقة الشّهادة، فساحة بدر قد تعطّرت، وحور الجنان قد تزيّنت. 

وازداد حماسُهم عندما سمعوا بالمدد من السّماء الثّالثة، وفي مقدّمتهم جبريل عليه السّلام .. جبريل الّذي كان يفخر بالملائكة الّتي قاتلت ببدر.

ففي الصّحيحين: جَاءَ جِبْرِيلُ إلَى النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم فقالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ ؟ قَالَ صلّى الله عليه وسلّم: (( مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ )) - في رواية قال: (( خِيَارُنَا ))- قالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ.

وكان بيد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حفنة من الحصى، تراه يحملُها ليحقّق ما كان قد أشار إليه وهو في مكّة.

نذكُر جيّدا يوم كان بمكّة قولَ ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما:" إِنَّ الْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ، فَتَعَاقَدُوا بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى وَنَائِلَةَ وَإِسَافٍ، لَوْ قَدْ رَأَيْنَا مُحَمَّدًا لَقَدْ قُمْنَا إِلَيْهِ قِيَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَلَمْ نُفَارِقْهُ حَتَّى نَقْتُلَهُ !

فَأَقْبَلَتْ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ رضي الله عنها تَبْكِي، حَتَّى دَخَلَتْ علَى رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالتْ: هَؤُلَاءِ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ تَعَاقَدُوا عَلَيْكَ ! لَوْ قَدْ رَأَوْكَ لَقَدْ قَامُوا إِلَيْكَ فَقَتَلُوكَ ! فَلَيْسَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا قَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مِنْ دَمِكَ ! فقالَ صلّى الله عليه وسلّم:

(( يَا بُنَيَّةُ ! أَرِينِي وَضُوءًا )) فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَا هُوَ ذَا ! وَخَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ، وَسَقَطَتْ أَذْقَانُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، وَعَقِرُوا فِي مَجَالِسِهِمْ، فَلَمْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ بَصَرًا، وَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلٌ، فَأَقْبَلَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم حَتَّى قَامَ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ التُّرَابِ، فقَالَ: (( شَاهَتْ الْوُجُوهُ ! ))، ثُمَّ حَصَبَهُمْ بِهَا.

يقول ابن عبّاس رضي الله عنه: فَمَا أَصَابَ رَجُلًا مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْحَصَى حَصَاةٌ إِلَّا قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا [رواه الإمام أحمد].

وبدأت المعركة.

فلننظر اليوم إليه صلّى الله عليه وسلّم: روى ابن إسحاق عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذ حفنةً من الحصباء، فاستقبل قريشا بها، ثمّ قال: (( شَاهَتِ الوُجُوهُ )) ثمّ نفحهم بها.

رمى بها وجوهَ العدوّ، فلم تترك رجلاً منهم إلاّ ملأت عينيه، وشُغِلوا بالتّراب في أعينهم، وشُغِل المسلمون بقتلهم، فأنزل الله في شأن هذه الرّمية على رسوله صلّى الله عليه وسلّم:{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال:17].[1]

وفي رواية أخرى عند الطّبراتي (3/227) عن حكيم بنِ حزام رضي الله عنه قال - وكان يومئذ مع المشركين -: لمّا كان يوم بدر أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخذ كفّا من الحصباء فاستقبلَنا به، فرمانا بها، وقال: (( شَاهَتْ الوُجُوهُ ))، فانهزمنا، فأنزل الله عزّ وجلّ:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}.[2]

كان الجميع يتذكّر نداء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ )).

فانطلق الصّحابة كالسّهام، فأبلوا البلاء الحسن.

- وكان أوّل من قُتِل من المسلمين: مَهْجَع مولى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه؛ فقد رُمي بسهم فقتل.

- ثمّ رُمِي حارثة بن سراقة أحد الشّباب من بني عديّ بن النجّار، وهو يشرب من الحوض بسهم، فأصاب نحره فقتل. وقد بشّر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمّها، ففي صحيح البخاري عن أنَسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه أنّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بنتَ البَرَاءِ وهيَ أمُّ حَارِثَةَ بنِ سُرَاقَةَ، أَتَتْ النّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم فقالتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ ؟ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ ؟ قالَ: (( يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى )).

- أمّا عُمَيْرُ بنُ الحُمَامِ رضي الله عنه فقد كان بيده تمراتٌ فألقاها، وقال: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ !

قال أنسٌ رضي الله عنه: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ [رواه مسلم].

- وهذا عمير بن وقّاص أخو سعد بن أبي وقّاص يسقط شهيدا، ذلكم الطّفل الّذي بكى عندما ردّه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلم يهنأ حتّى قَبِلَه.

- أمّا سعدٌ رضي الله عنه، فكان يقاتل بضرواة، كأنّه يقاتل عن أخيه الصّغير ! شاهده عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فتعجّب منه ومن شجاعته:

روى البزّار (2/315) بسند قويّ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:" كان سعد رضي الله عنه يقاتل مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم بدر قتال الفارس والرّاجل ".

- وترى أسد الإسلام حمزة رضي الله عنه يُثخِن في العدوّ، ويشقّ صفوف الوثنيّين بسيفه، يتساقطون أمامه واحدا واحدا. وكان من ضحاياه رجل من مشاهير قريش هو: طعيمة بن عديّ أخو المطعم بن عديّ. ورأى المشركون ما يفعله حمزة، فمنهم من عرفه، ومنهم من لم يعرفه، وكان أميّة بن خلف يرتعد خوفا ويقول لمن حوله:" ذاك الّذي فعل بنا الأفاعيل ".

- وترى الزّبير رضي الله عنه يُذيبُ الحديد بسيفه، ففي صحيح البخاري قالَ الزّبَيْرُ رضي الله عنه:" لَقِيتُ يَوْمَ بَدْرٍ عُبَيْدَةَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ مُدَجَّجٌ لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا عَيْنَاهُ، وَهُوَ يُكْنَى أَبُو ذَاتِ الْكَرِشِ، فَقَالَ: أَنَا أَبُو ذَاتِ الْكَرِشِ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ بِالْعَنَزَةِ، فَطَعَنْتُهُ فِي عَيْنِهِ، فَمَاتَ.

- وانطلق فَتَيَان يتسابقان المجدَ نحو رأس أبي جهل، ولم يُثبِّطْهما التفافُ المشركين حوله: يقول عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه:-كما في صحيح البخاري-:" فَشَدَّا عَلَيْهِ مِثْلَ الصَّقْرَيْنِ حَتَّى ضَرَبَاهُ وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ ... فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا فَضَرَبَاهُ، حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلى رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: (( أَيُّكُمَا قَتَلَهُ ؟)) قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ ! فَقَالَ: (( هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا ؟)) قَالَا: لَا ! فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ، فَقَالَ: (( كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، سَلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ )).[3]

- وهكذا يسقط أكبر طواغيت قريش على يد شابّين صغيرين من شباب الأنصار، فتراه الآن صريعا تدوسه الأقدام، وضاعت الزّعامة وضاعت الأحلام. سقط على التّراب الّذي طالما كان يتثره في وجوه المساكين والضّعفاء .. سقط بعد أن قضى خمسة عشر سنة في محاربة الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم ! لم يبق منه سوى عينين زائغتين تضعفان كلّما رأى سقوط طاغوت آخر.

- طاغوت آخر من طواغيت قريش يسقط بين أيدي المؤمنين، يهوي إلى الأرض ويسقط سيفه، ويسقط معه شركه، ولكنّه ما زال حيّا، فيقوده فرسان الإسلام أسيرا ذليلا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، إنّه: عقبة بن أبي مُعَيطٍ.

كلّنا يتذكّر ذلك اليوم الّذي عزم فيه هذا الطّاغية على قتل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، روى البخاري عن عرْوَةَ بنِ الزّبَيْرِ قالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ عمْرٍو رضي الله عنه عنْ أشَدِّ مَا صَنَعَ المُشْرِكُونَ بِرسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم ؟ قالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلى النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم وَهُوَ يُصَلِّي، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا، فجَاءَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ، فقالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ؟!

ها هو عُقبةُ اليوم يجرّه عليٌّ رضي الله عنه، ويسحبه من بين الأسرى الّذين سنرى تردّد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيهم، ولكنّه في هذا الرّجل لم يتردّد .. جيء به إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: يا محمّد ! من للصِّبْية ؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: (( النَّارُ ! )).

قتله بكلمة قبل أن يقتله بالسّيف.

- وها هو طاغوت ثالث يرتطم بالأرض .. مات قبل أن يموت مائة مرّة .. إنّه: أميّة بن خلف.

لم ينفعه اليوم أبو جهل، فهو اليوم يتلبّط بدمائه.. ولا فرسه الّذي اشتراه بأغلى الأثمان فهو اليوم غنيمة للمؤمنين .. حتّى ولده الّذي ادّخره لمثل هذا اليوم يلقى المصير نفسه.

وفجأةً، شعر أميّة بأنّ في الحياة بقيّة، وأنّه لا يزال هناك أمل في النّجاة، فهو يرى من خلال الموت فُرجة للحياة يأتي بها أحد المهاجرين، هو عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه.

روى البخاري عن عبدِ الرّحمنِ بنِ عَوْفٍ رضي الله عنه قالَ:

" كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةَ، وَأَحْفَظَهُ فِي صَاغِيَتِهِ بِالْمَدِينَةِ ...". وكان اميّة يدعُو عبد الرّحمنِ بنَ عوفٍ باسمه القديم: عبد عمرو.

قال عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه - كما في رواية ابن إسحاق بسند حسن -:" فلمّا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنِه عليٍّ، وهو آخذ بيده، ومعي أدراع لي قد استلبتها، فأنا أحملها فرآني قال: عبدَ عمروٍ ! فلم أُجِبه، فقال: يا عبد الإله ! فقلت: نعم. قال: هل لك فيَّ ؟ فأنا خير لك من هذه الأدراع الّتي معك ؟ قلت: نعم ها الله ...".

وفي تتمّة رواية البخاري:" خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لِأُحْرِزَهُ حِينَ نَامَ النَّاسُ ...".

فاطمأنّ أميّة، وصار يحدّثُ عبدَ الرّحمنِ بنَ عوف رضي الله عنه عن اللّبن الّذي سيشربه من نياق أميّة، واسترخت أعصابه فاسترسل في الحديث، حتّى قال:" يا عبد الإله، من الرّجل منكم المعلّم بريشة نعامة في صدره ؟ قال: فقلت: حمزة. قال: ذلك الّذي فعل بنا الأفاعيل ".

وبينما هما كذلك، إذْ بصرخةٍ من بعيد اتّسعت لها عيون أميّة وابنُه ! صرخة قلبت أرض بدر على رأس أميّة من جديد .. يقول عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه كما في صحيح البخاري:

" فَأَبْصَرَهُ بِلَالٌ، فَخَرَجَ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ! لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ ".

فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي آثَارِنَا، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا، خَلَّفْتُ لَهُمْ ابْنَهُ لِأَشْغَلَهُمْ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يَتْبَعُونَا، وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا، فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ ! فَبَرَكَ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لِأَمْنَعَهُ، فَتَخَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه يُرِينَا ذَلِكَ الْأَثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ.

وانتهت قصّة وحياة أميّة كما انتهت قصص وحياة كثير من أمثاله الّذين قضوا حياتهم في التّعذيب والتّنكيل بالمؤمنين والضّعفاء والمساكين.. انتهت حياته على يد من كان يتفنّن في تعذيبه على رمضاء مكّة: بلالٌ رضي الله عنه الّذي اشتراه أبو بكر رضي الله عنه وهو مدفون بالحجارة.



[1] ( تنبيه ): قال ابن القيّم رحمه الله في "زاد المعاد":

" وقد ظنّ طائفة أنّ الآية دلّت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله، وأنّه هو الفاعل حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع، ومعنى الآية: أنّ الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداءً الرّمي، ونفى عنه الإيصال الّذي لم يحصل برميته، فالرّمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيّه الحذف، ونفى عنه الإيصال "اهـ.

[2] صحّحه الشّيخ مقبل رحمه الله في "الصّحيح المسند من أسباب النّزول" (ص113).

[3] السّلب يستحقّه من قتل القتيل، وإنّما أفرد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أحدهما لأنّه رأى أنّ سيف معاذ بن عمرو بن الجموح كان أثخن في الجراحة وأشدّ طعنا.

أخر تعديل في الاثنين 17 رجب 1434 هـ الموافق لـ: 27 ماي 2013 12:01

Your are currently browsing this site with Internet Explorer 6 (IE6).

Your current web browser must be updated to version 7 of Internet Explorer (IE7) to take advantage of all of template's capabilities.

Why should I upgrade to Internet Explorer 7? Microsoft has redesigned Internet Explorer from the ground up, with better security, new capabilities, and a whole new interface. Many changes resulted from the feedback of millions of users who tested prerelease versions of the new browser. The most compelling reason to upgrade is the improved security. The Internet of today is not the Internet of five years ago. There are dangers that simply didn't exist back in 2001, when Internet Explorer 6 was released to the world. Internet Explorer 7 makes surfing the web fundamentally safer by offering greater protection against viruses, spyware, and other online risks.

Get free downloads for Internet Explorer 7, including recommended updates as they become available. To download Internet Explorer 7 in the language of your choice, please visit the Internet Explorer 7 worldwide page.